السنبوك
12-09-2010, 01:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقال نشر في صفحة وراق الجزيرة بجريدة الجزيرة العدد (12393) يوم الأحد 10 شعبان 1427هـ الموافق 3 سبتمبر 2006م
آمل أن يحوز على رضاكم
= = = = = = = =
محمد بن حميد الجحدلي الحربي:
تقع بلدة الدعيجية على ساحل البحر الأحمر، شمال مدينة جدة بنحو تسعين كيلاً شمالاً، وتتبع إدارياً محافظة جدة، وتعرف حالياً باسم بلدة ثول.
وثول: هو اسم الوادي المحيط بالبلدة من جهات الجنوب والشرق، ولكن غلبت هذه التسمية مؤخراً على البلدة فأصبحت تعرف ببلدة ثول نسبة إلى الوادي.
قال الشيخ عاتق البلادي:
الدعيجية: تصغير المنسوب إلى الدعج، وهو سواد العيون: بلدة ساحلية عامرة ذات أحياء متعددة فيها إمارة وشرطة ومستوصف صحي ومسجد جامع ومدارس عديدة، تقع على الطريق بين جدة ورابغ، سكانها من زبيد من حرب، وحرفتهم الأصلية صيد الأسماك، وغلب عليها اليوم اسم ثول، وثول: الخبت كلّه المحيط بالدعيجية، أما البلدة فهذا اسمها (1).
وقال أيضاً:
ثول: هو الخبت الذي يصب فيه ماء أمَج قبل البحر فيه مزارع عثرية، كان مشهوراً بجودة دخنه يحضره الناس كما يحضرون صيف النخل، وفيه بلدة الدعيجية على الطريق بين جدة ورابغ"(2).
وقد ورد ذكر ثول في الشعر العربي، فقد مدح الشريف بركات بن محمد بن بركات بالنصر على أعدائه سنة 912هـ، شاعر البطحاء شهاب الدين أحمد بن الحسين العليف، بقصيدة طويلة مطلعها:
العِزُّ تحتَ ظلالِ البيضِ والأسلِ
يومَ الطعانِ وسبق السيف للعذلِ
إلى أن يقول:
يكاد يسمع وقع المرهفات به
من بالخريبة ممتداً إلى ثولِ(3)
كما ورد ذكر البلدة باسم الدعيجية في الشعر الشعبي، فمن ذلك قول أحد الشعراء الشعبيين:
إن كنت لمخمرة بتروح
أنا بروح الدعيجية
وقول آخر:
وجودي وجود اللي حلاله ورد عسفان
مصدر من أم الرين يبقى الدعيجية
اشتهرت بلدة الدعيجية بأنها من القرى الكبيرة لقبيلة حرب في الحجاز مثل: رابغ، وخليص، وغيرها، وقد كانت مركزاً تجارياً مهماً لبعض القرى المجاورة لها، وسوقاً عامراً للبيع والشراء، يقول أحد الشعراء الشعبيين:
لعل سوق الدعيجية
يخلى نزوله من القاري
كانت الحرفة الأساسية لأهالي البلدة من قبيلة الجحادلة قبل دخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى -هي مهنة الغوص واستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر وبيعه في بعض المواني المطلة على ساحل البحر الأحمر مثل: ميناء مصوع في إرتريا، وميناء سواكن في السودان. وقد استمرت تلك المهنة خلال حكم الملك عبد العزيز، وفترة من بدايات حكم الملك سعود - رحمه الله تعالى - قبل أن تتوقف هذه المهنة نهائياً مع تطور الصناعة الحديثة.
يطلق أهالي البلدة على من يمتهنون هذه الحرفة لقب: الصدَّافة، ومفرده صدَّاف، أما رحلات الغوص فقد كانوا يطلقون عليه اسم: السَّفرْ، ذلك لأن من يعمل بهذه المهنة يُسافر فترة تقترب من تسعة أشهر - من أواخر شهر ذي الحجة إلى أواخر شهر شعبان من كل عام - متنقلين من موقع إلى آخر، ومن ميناء إلى آخر، على طول ساحل البحر الأحمر بشقيه الشرقي والغربي بواسطة السفن الشراعية التي تعرف باسم: السَّاعية، والسَّنبوك.
رحلات السفن الشراعية
الاستعداد للسفر:
يبدأ الاستعداد لرحلة الغوص في بداية شهر ذي الحجة من كل عام، ويقوم مالك الساعية، بمنح البحارة العاملين على الساعية مبلغاً من المال لكل شخص منهم لشراء ما يحتاج إليه ولذويه خلال فترة رحلة الغوص، ويتم تسجيل المبلغ على كل شخص كدين أو دفعة مقدمة تخصم من حسابه في نهاية رحلة الغوص، وغالباً يكون عدد البحارة العاملين على الساعية الواحدة نحو ستة عشر رجلاً إضافة إلى النخوذة وبعض الأطفال، كما يتكلف مالك الساعية بمصاريف أهالي البحارة وذويهم العاملين على ساعيته خلال فترة السفر، وذلك بأن يقرر لهم مصروفاً شهرياً عبارة عن كيلتين من الأرز، وأربع كيلات من الدُخن، ومبلغ نقدي مقداره عشرة ريالات تسلم كل شهر، ويتم تسجيل هذا المبلغ على كل شخص من البحارة كدين يتم خصمه في نهاية رحلة الغوص من حسابه، وغالباً ما يكون لصاحب الساعية محل تجاري في البلدة، أو يتعامل مع أحد أصحاب المحلات في البلدة إذا لم يكن لديه محل تجاري.
يوم السفر
بعد أن يتم تجهيز الساعية وتحميل جميع الأغراض يتحدد موعد السفر وغالباً ما يكون في نهاية شهر ذي الحجة، وفي يوم السفر يخرج جميع الأهالي لتوديع البحارة وتبدأ الساعية بالمغادرة بينما يقف ذويهم من الأطفال والنساء على ساحل البحر لوداعهم، وغالباً ما تسافر ساعيتان في آن وأحد مع بعض طوال الرحلة ويعرف ذلك لدى أهل البحر باسم: سِنْجَار.
خط سير الرحلة
بعد مغادرة الساعية بلدة الدعيجية (ثول) تسير باتجاه الجنوب إلى مدينة جدة، التي تصل إليها بعد يومين أو ثلاثة أيام حسب طبيعة الرياح. وفي جدة يتم إكمال ما نقص عليهم من المؤنة، وبعد قضاء يومين أو ثلاثة أيام في جدة يتم الرحيل إلى الجنوب لممارسة الغوص لاستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر، وتصل الساعية في رحلة الغوص جنوباً إلى مواني الليث، والقنفذة، وجازان، وجزر فرسان على الساحل الشرقي للبحر الأحمر.
طريقة الغوص
عندما تصل الساعية إلى موقع مناسب لاستخراج الصدف، تتوقف لفترة قد تصل إلى أسبوع حسب مساحة الموقع وكمية الصدف، وفي الصباح الباكر وقبل شروق الشمس ينادي النخوذة على البحارة معلناً بداية العمل، ويتم إنزال القوارب الصغيرة من الساعية وطول كل قارب لا يتجاوز المترين طولاً في عرض نصف متر تقريباً وبارتفاع مماثل، ويصعد إلى القارب شخصين أحدهم يعرف باسم: الريس وغالباً ما يكون صاحب القارب، فيجلس في وسط القارب ومعه المرآة وهي عبارة عن تنكة من الصفيح في أسفلها فتحة غطيت بقطعة من الزجاج بينما تركت من الأعلى مفتوحة ينظر الريس من خلالها إلى قاع البحر، والمرآة تقوم بتقريب قاع البحر مع وضوح الرؤية، ويجلس الآخر في مؤخرة القارب ويقوم بعملية التجديف، وعندما يرى الريس صدفة في قاع البحر يخبر من جلس في آخر القارب بذلك فيتوقف فوراً عن التجديف ويقوم بالقفز إلى عمق البحر مباشرة، والغوص لاستخراج الصدفة دون استخدام أي ثقل يساعده على النزول بسرعة إلى عمق البحر. وفي بعض الأحيان يقوم الريس بقذف حديدة إلى قاع البحر تشبه الحربة تعرف باسم: المسلة، لتكون علامة واضحة على موقع الصدفة.
ويتناوب الرجلان على الغوص طيلة النهار لجمع الصدف، ويتراوح عمق البحر عند مزاولة الغوص بين عشرة إلى خمسة عشر قامة(4)، أي ما يساوي من خمسة عشر إلى خمسة وعشرين متراً تقريباً، وقبيل غروب الشمس يأمر النخوذة برفع علم على الدَّقل (الصاري) وهو إعلان نهاية العمل لذلك اليوم حيث تبدأ القوارب الصغيرة بالعودة إلى الساعية.
وعند الوصول يتم إنزال الصدف على سطح الساعية لكل قارب على حدة حيث يتم تسجيل عدد الصدف لكل قارب على حدة في دفتر يعرف باسم: القوائم، وبعد تسجيل القوائم يتم تجميع الصدف لجميع القوارب دفعة واحدة والشروع في تنظيفه باستخراج اللحم الموجود داخلة وتركه لعدة أيام على سطح السفينة الشراعية لتجفيفه بواسطة أشعة الشمس، ومن النادر جداً أن يجدون حبات من اللؤلؤ بداخل الصدف.
وبعد مكوث الساعية في ذلك الموقع لمدة أسبوع تقريباً، وعندما يصبح الموقع غير مناسب للغوص لقلة كمية الصدف المستخرج يأمر النخوذة بالرحيل من ذلك الموقع والانتقال إلى موقع آخر، وتستمر الساعية بالتنقل من موقع إلى آخر لمدة تتراوح بين خمسة عشر يوماً وعشرين يوماً حسب كمية الماء العذب الذي معهم.
الطعام والسقاية
يكون مالك الساعية مسئولاً عن توفير الطعام للبحارة طوال الرحلة، وهو عبارة عن أقراص من الدخن، أو الذرة، ولذلك تكون مهنة أحد العاملين على الساعية إعداد أقراص من الدخن والذرة للبحارة، ومصاريف الطعام طوال الرحلة يتم خصمها من دخل بيع الصدف.
يتناول البحارة غذائهم وهو عبارة عن قرص من الدخن، أو الذرة يعطى لهم بعد غروب الشمس، أما العشاء فعبارة عن قرص آخر يعطى لهم عند منتصف الليل. كما يقوم البحارة خلال عملية الغوص بصيد بعضاً من الأسماك لتناولها مع الغذاء، كما يجلب البحارة معهم بعضاً من التمر والسمن والزيت من حسابهم الخاص.
أما بالنسبة للماء فعندما تقل كمية الماء العذب أو توشك على النفاذ تتحرك الساعية نحو الشاطئ لجلب الماء العذب من الآبار ويعرف جلب الماء باسم: السقاية، ويتم جلب الماء بملء تنكات من الصفيح، يحمل كل شخص تنكتين بواسطة عصا بينهما وتسمى (المراديف) أما الأطفال فيحمل تنكه واحده فوق الرأس. وتتوقف الساعية خلال السقاية لمدة يومين أو ثلاثة حتى يتم ملء حنفيات المياه الموجودة على الساعية ثم تبحر إلى عمق البحر لمزاولة الغوص.
بيع المحصول
بعد مرور مدة تتراوح بين شهرين أو ثلاثة أشهر وعند جمع كمية كبيرة من الصدف يتفق النخوذتان في كلتا الساعيتين المسافرتين مع بعض على بيع ما لديهم من الصدف، فيتم اختيار إحدى الساعيتين لهذه المهمة حيث يتم تحميلها بالصدف ويوضع محصول كل ساعية على حدة، ويتم تقسيم البحارة في الساعيتين إلى نصفين، يسافر نصف البحارة مع الساعية التي تقل الحمولة التي تتوجه إلى ميناء مصوع في إرتريا، أو ميناء سواكن في السودان لبيع المحصول، بينما يبقى النصف الآخر لممارسة الغوص مع الساعية الأخرى، ويتم تحديد موقعٍ للقاء بينهم بعد مدة معلومة. وبعد أن تصل الساعية إلى ميناء مصوع أو ميناء سواكن تقوم ببيع المحصول من الصدف وشراء المؤن اللازمة للساعيتين والعودة مرة أخرى.
وتتكرر رحلات بيع المحصول من ثلاث إلى خمس مرات خلال الرحلة، غير إنها في الرحلتين الأخيرتين يتم شراء بعض الحاجيات والأغراض لمالك الساعية، وكذلك يقوم بعض البحارة بشراء بعض الهدايا لأهلهم وأقربائهم من تلك الموانئ.
رحلة العودة
يعلن النخوذة انتهاء الرحلة، فتبدأ الساعية رحلة العودة إلى مدينة جدة، حيث تمكث مدة يومين أو ثلاثة أيام، ويقوم البحارة بشراء ما يحتاجون إليه من الهدايا للأهل والأقارب، ومن مدينة جدة ينطلق الخبر إلى البلدة لتبشير أهالي البحارة بأن الساعية وصلت إلى جدة في طريق عودتها إلى البلدة، فيبدأ الأطفال بالصعود على أسطح العشش والصنادق في انتظار مشاهدة الساعية عند عودتها، أما الساعية فبعد أن تبحر من جدة وعند اقترابها من البلدة يتم رفع الأعلام على الدقل (الصاري)، فيتوجه الجميع إلى ساحل البحر لاستقبال البحارة، ويقوم البحارة بمنح الأطفال المستقبلين لهم بعضاً من الحمص والحلوى على سبيل الهدية لهم.
المحاسبة
بعد وصول الساعية إلى البلدة، والمكوث لمدة يومين أو ثلاثة أيام للراحة، يتم إجراء الحساب بين مالك الساعية والبحارة، فيتم معرفة المبلغ الإجمالي الذي حققته الساعية من مبيعاتها في هذه الرحلة، ثم يخصم قيمة مصاريف الرحلة من الطعام، ثم يخصم نصيب صاحب الساعية، ثم بعد ذلك يتم تحديد نصيب كل شخص حسب الكمية التي استخرجها من الصدف، وللقوارب الصغيرة نصيب أيضاً، وبعد أن يعرف كل شخص المبلغ الذي حصل عليه يُخصم منه المبلغ الذي أخذه في بداية الرحلة ومبالغ المصروف على أهله وأولاده خلال تلك الرحلة ثم يسلم له صافي المبلغ.
للتواصل مع الكاتب ص. ب 226829 الرياض 11324
maljahdali@hotmail. Com
الهوامش والتعليقات الجانبية
(1) البلادي: عاتق بن غيث، معجم معالم الحجاز، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م، ج3، ص 222 - 223
(2) البلادي: عاتق بن غيث، معجم معالم الحجاز، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م، ج2 ص 99 - 100
(3) انظر القصيدة في: ابن فهد: عز الدين عبدالعزيز بن عمر، غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام، تحقيق فهيم محمد شلتوت، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1409هـ - 1989م، ج3، ص 190 - 199؛ العصامي: بعدالملك بن حسين، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م، ج4، ص 330 - 336
(4) القامة: من وحدة المقاسات وتُعرف باسم الباع، وهي المسافة بين رؤوس الأصابع اليمنى إلى رؤوس الأصابع اليسرى مع الصدر والكتفين عند بسطهما، ويقدر طولها بنحو 165 سم تقريباً.
رابط المقال بجريدة الجزيرة
http://213.136.192.26/2006jaz/sep/3/wo3.htm (http://213.136.192.26/2006jaz/sep/3/wo3.htm)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقال نشر في صفحة وراق الجزيرة بجريدة الجزيرة العدد (12393) يوم الأحد 10 شعبان 1427هـ الموافق 3 سبتمبر 2006م
آمل أن يحوز على رضاكم
= = = = = = = =
محمد بن حميد الجحدلي الحربي:
تقع بلدة الدعيجية على ساحل البحر الأحمر، شمال مدينة جدة بنحو تسعين كيلاً شمالاً، وتتبع إدارياً محافظة جدة، وتعرف حالياً باسم بلدة ثول.
وثول: هو اسم الوادي المحيط بالبلدة من جهات الجنوب والشرق، ولكن غلبت هذه التسمية مؤخراً على البلدة فأصبحت تعرف ببلدة ثول نسبة إلى الوادي.
قال الشيخ عاتق البلادي:
الدعيجية: تصغير المنسوب إلى الدعج، وهو سواد العيون: بلدة ساحلية عامرة ذات أحياء متعددة فيها إمارة وشرطة ومستوصف صحي ومسجد جامع ومدارس عديدة، تقع على الطريق بين جدة ورابغ، سكانها من زبيد من حرب، وحرفتهم الأصلية صيد الأسماك، وغلب عليها اليوم اسم ثول، وثول: الخبت كلّه المحيط بالدعيجية، أما البلدة فهذا اسمها (1).
وقال أيضاً:
ثول: هو الخبت الذي يصب فيه ماء أمَج قبل البحر فيه مزارع عثرية، كان مشهوراً بجودة دخنه يحضره الناس كما يحضرون صيف النخل، وفيه بلدة الدعيجية على الطريق بين جدة ورابغ"(2).
وقد ورد ذكر ثول في الشعر العربي، فقد مدح الشريف بركات بن محمد بن بركات بالنصر على أعدائه سنة 912هـ، شاعر البطحاء شهاب الدين أحمد بن الحسين العليف، بقصيدة طويلة مطلعها:
العِزُّ تحتَ ظلالِ البيضِ والأسلِ
يومَ الطعانِ وسبق السيف للعذلِ
إلى أن يقول:
يكاد يسمع وقع المرهفات به
من بالخريبة ممتداً إلى ثولِ(3)
كما ورد ذكر البلدة باسم الدعيجية في الشعر الشعبي، فمن ذلك قول أحد الشعراء الشعبيين:
إن كنت لمخمرة بتروح
أنا بروح الدعيجية
وقول آخر:
وجودي وجود اللي حلاله ورد عسفان
مصدر من أم الرين يبقى الدعيجية
اشتهرت بلدة الدعيجية بأنها من القرى الكبيرة لقبيلة حرب في الحجاز مثل: رابغ، وخليص، وغيرها، وقد كانت مركزاً تجارياً مهماً لبعض القرى المجاورة لها، وسوقاً عامراً للبيع والشراء، يقول أحد الشعراء الشعبيين:
لعل سوق الدعيجية
يخلى نزوله من القاري
كانت الحرفة الأساسية لأهالي البلدة من قبيلة الجحادلة قبل دخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى -هي مهنة الغوص واستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر وبيعه في بعض المواني المطلة على ساحل البحر الأحمر مثل: ميناء مصوع في إرتريا، وميناء سواكن في السودان. وقد استمرت تلك المهنة خلال حكم الملك عبد العزيز، وفترة من بدايات حكم الملك سعود - رحمه الله تعالى - قبل أن تتوقف هذه المهنة نهائياً مع تطور الصناعة الحديثة.
يطلق أهالي البلدة على من يمتهنون هذه الحرفة لقب: الصدَّافة، ومفرده صدَّاف، أما رحلات الغوص فقد كانوا يطلقون عليه اسم: السَّفرْ، ذلك لأن من يعمل بهذه المهنة يُسافر فترة تقترب من تسعة أشهر - من أواخر شهر ذي الحجة إلى أواخر شهر شعبان من كل عام - متنقلين من موقع إلى آخر، ومن ميناء إلى آخر، على طول ساحل البحر الأحمر بشقيه الشرقي والغربي بواسطة السفن الشراعية التي تعرف باسم: السَّاعية، والسَّنبوك.
رحلات السفن الشراعية
الاستعداد للسفر:
يبدأ الاستعداد لرحلة الغوص في بداية شهر ذي الحجة من كل عام، ويقوم مالك الساعية، بمنح البحارة العاملين على الساعية مبلغاً من المال لكل شخص منهم لشراء ما يحتاج إليه ولذويه خلال فترة رحلة الغوص، ويتم تسجيل المبلغ على كل شخص كدين أو دفعة مقدمة تخصم من حسابه في نهاية رحلة الغوص، وغالباً يكون عدد البحارة العاملين على الساعية الواحدة نحو ستة عشر رجلاً إضافة إلى النخوذة وبعض الأطفال، كما يتكلف مالك الساعية بمصاريف أهالي البحارة وذويهم العاملين على ساعيته خلال فترة السفر، وذلك بأن يقرر لهم مصروفاً شهرياً عبارة عن كيلتين من الأرز، وأربع كيلات من الدُخن، ومبلغ نقدي مقداره عشرة ريالات تسلم كل شهر، ويتم تسجيل هذا المبلغ على كل شخص من البحارة كدين يتم خصمه في نهاية رحلة الغوص من حسابه، وغالباً ما يكون لصاحب الساعية محل تجاري في البلدة، أو يتعامل مع أحد أصحاب المحلات في البلدة إذا لم يكن لديه محل تجاري.
يوم السفر
بعد أن يتم تجهيز الساعية وتحميل جميع الأغراض يتحدد موعد السفر وغالباً ما يكون في نهاية شهر ذي الحجة، وفي يوم السفر يخرج جميع الأهالي لتوديع البحارة وتبدأ الساعية بالمغادرة بينما يقف ذويهم من الأطفال والنساء على ساحل البحر لوداعهم، وغالباً ما تسافر ساعيتان في آن وأحد مع بعض طوال الرحلة ويعرف ذلك لدى أهل البحر باسم: سِنْجَار.
خط سير الرحلة
بعد مغادرة الساعية بلدة الدعيجية (ثول) تسير باتجاه الجنوب إلى مدينة جدة، التي تصل إليها بعد يومين أو ثلاثة أيام حسب طبيعة الرياح. وفي جدة يتم إكمال ما نقص عليهم من المؤنة، وبعد قضاء يومين أو ثلاثة أيام في جدة يتم الرحيل إلى الجنوب لممارسة الغوص لاستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر، وتصل الساعية في رحلة الغوص جنوباً إلى مواني الليث، والقنفذة، وجازان، وجزر فرسان على الساحل الشرقي للبحر الأحمر.
طريقة الغوص
عندما تصل الساعية إلى موقع مناسب لاستخراج الصدف، تتوقف لفترة قد تصل إلى أسبوع حسب مساحة الموقع وكمية الصدف، وفي الصباح الباكر وقبل شروق الشمس ينادي النخوذة على البحارة معلناً بداية العمل، ويتم إنزال القوارب الصغيرة من الساعية وطول كل قارب لا يتجاوز المترين طولاً في عرض نصف متر تقريباً وبارتفاع مماثل، ويصعد إلى القارب شخصين أحدهم يعرف باسم: الريس وغالباً ما يكون صاحب القارب، فيجلس في وسط القارب ومعه المرآة وهي عبارة عن تنكة من الصفيح في أسفلها فتحة غطيت بقطعة من الزجاج بينما تركت من الأعلى مفتوحة ينظر الريس من خلالها إلى قاع البحر، والمرآة تقوم بتقريب قاع البحر مع وضوح الرؤية، ويجلس الآخر في مؤخرة القارب ويقوم بعملية التجديف، وعندما يرى الريس صدفة في قاع البحر يخبر من جلس في آخر القارب بذلك فيتوقف فوراً عن التجديف ويقوم بالقفز إلى عمق البحر مباشرة، والغوص لاستخراج الصدفة دون استخدام أي ثقل يساعده على النزول بسرعة إلى عمق البحر. وفي بعض الأحيان يقوم الريس بقذف حديدة إلى قاع البحر تشبه الحربة تعرف باسم: المسلة، لتكون علامة واضحة على موقع الصدفة.
ويتناوب الرجلان على الغوص طيلة النهار لجمع الصدف، ويتراوح عمق البحر عند مزاولة الغوص بين عشرة إلى خمسة عشر قامة(4)، أي ما يساوي من خمسة عشر إلى خمسة وعشرين متراً تقريباً، وقبيل غروب الشمس يأمر النخوذة برفع علم على الدَّقل (الصاري) وهو إعلان نهاية العمل لذلك اليوم حيث تبدأ القوارب الصغيرة بالعودة إلى الساعية.
وعند الوصول يتم إنزال الصدف على سطح الساعية لكل قارب على حدة حيث يتم تسجيل عدد الصدف لكل قارب على حدة في دفتر يعرف باسم: القوائم، وبعد تسجيل القوائم يتم تجميع الصدف لجميع القوارب دفعة واحدة والشروع في تنظيفه باستخراج اللحم الموجود داخلة وتركه لعدة أيام على سطح السفينة الشراعية لتجفيفه بواسطة أشعة الشمس، ومن النادر جداً أن يجدون حبات من اللؤلؤ بداخل الصدف.
وبعد مكوث الساعية في ذلك الموقع لمدة أسبوع تقريباً، وعندما يصبح الموقع غير مناسب للغوص لقلة كمية الصدف المستخرج يأمر النخوذة بالرحيل من ذلك الموقع والانتقال إلى موقع آخر، وتستمر الساعية بالتنقل من موقع إلى آخر لمدة تتراوح بين خمسة عشر يوماً وعشرين يوماً حسب كمية الماء العذب الذي معهم.
الطعام والسقاية
يكون مالك الساعية مسئولاً عن توفير الطعام للبحارة طوال الرحلة، وهو عبارة عن أقراص من الدخن، أو الذرة، ولذلك تكون مهنة أحد العاملين على الساعية إعداد أقراص من الدخن والذرة للبحارة، ومصاريف الطعام طوال الرحلة يتم خصمها من دخل بيع الصدف.
يتناول البحارة غذائهم وهو عبارة عن قرص من الدخن، أو الذرة يعطى لهم بعد غروب الشمس، أما العشاء فعبارة عن قرص آخر يعطى لهم عند منتصف الليل. كما يقوم البحارة خلال عملية الغوص بصيد بعضاً من الأسماك لتناولها مع الغذاء، كما يجلب البحارة معهم بعضاً من التمر والسمن والزيت من حسابهم الخاص.
أما بالنسبة للماء فعندما تقل كمية الماء العذب أو توشك على النفاذ تتحرك الساعية نحو الشاطئ لجلب الماء العذب من الآبار ويعرف جلب الماء باسم: السقاية، ويتم جلب الماء بملء تنكات من الصفيح، يحمل كل شخص تنكتين بواسطة عصا بينهما وتسمى (المراديف) أما الأطفال فيحمل تنكه واحده فوق الرأس. وتتوقف الساعية خلال السقاية لمدة يومين أو ثلاثة حتى يتم ملء حنفيات المياه الموجودة على الساعية ثم تبحر إلى عمق البحر لمزاولة الغوص.
بيع المحصول
بعد مرور مدة تتراوح بين شهرين أو ثلاثة أشهر وعند جمع كمية كبيرة من الصدف يتفق النخوذتان في كلتا الساعيتين المسافرتين مع بعض على بيع ما لديهم من الصدف، فيتم اختيار إحدى الساعيتين لهذه المهمة حيث يتم تحميلها بالصدف ويوضع محصول كل ساعية على حدة، ويتم تقسيم البحارة في الساعيتين إلى نصفين، يسافر نصف البحارة مع الساعية التي تقل الحمولة التي تتوجه إلى ميناء مصوع في إرتريا، أو ميناء سواكن في السودان لبيع المحصول، بينما يبقى النصف الآخر لممارسة الغوص مع الساعية الأخرى، ويتم تحديد موقعٍ للقاء بينهم بعد مدة معلومة. وبعد أن تصل الساعية إلى ميناء مصوع أو ميناء سواكن تقوم ببيع المحصول من الصدف وشراء المؤن اللازمة للساعيتين والعودة مرة أخرى.
وتتكرر رحلات بيع المحصول من ثلاث إلى خمس مرات خلال الرحلة، غير إنها في الرحلتين الأخيرتين يتم شراء بعض الحاجيات والأغراض لمالك الساعية، وكذلك يقوم بعض البحارة بشراء بعض الهدايا لأهلهم وأقربائهم من تلك الموانئ.
رحلة العودة
يعلن النخوذة انتهاء الرحلة، فتبدأ الساعية رحلة العودة إلى مدينة جدة، حيث تمكث مدة يومين أو ثلاثة أيام، ويقوم البحارة بشراء ما يحتاجون إليه من الهدايا للأهل والأقارب، ومن مدينة جدة ينطلق الخبر إلى البلدة لتبشير أهالي البحارة بأن الساعية وصلت إلى جدة في طريق عودتها إلى البلدة، فيبدأ الأطفال بالصعود على أسطح العشش والصنادق في انتظار مشاهدة الساعية عند عودتها، أما الساعية فبعد أن تبحر من جدة وعند اقترابها من البلدة يتم رفع الأعلام على الدقل (الصاري)، فيتوجه الجميع إلى ساحل البحر لاستقبال البحارة، ويقوم البحارة بمنح الأطفال المستقبلين لهم بعضاً من الحمص والحلوى على سبيل الهدية لهم.
المحاسبة
بعد وصول الساعية إلى البلدة، والمكوث لمدة يومين أو ثلاثة أيام للراحة، يتم إجراء الحساب بين مالك الساعية والبحارة، فيتم معرفة المبلغ الإجمالي الذي حققته الساعية من مبيعاتها في هذه الرحلة، ثم يخصم قيمة مصاريف الرحلة من الطعام، ثم يخصم نصيب صاحب الساعية، ثم بعد ذلك يتم تحديد نصيب كل شخص حسب الكمية التي استخرجها من الصدف، وللقوارب الصغيرة نصيب أيضاً، وبعد أن يعرف كل شخص المبلغ الذي حصل عليه يُخصم منه المبلغ الذي أخذه في بداية الرحلة ومبالغ المصروف على أهله وأولاده خلال تلك الرحلة ثم يسلم له صافي المبلغ.
للتواصل مع الكاتب ص. ب 226829 الرياض 11324
maljahdali@hotmail. Com
الهوامش والتعليقات الجانبية
(1) البلادي: عاتق بن غيث، معجم معالم الحجاز، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م، ج3، ص 222 - 223
(2) البلادي: عاتق بن غيث، معجم معالم الحجاز، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م، ج2 ص 99 - 100
(3) انظر القصيدة في: ابن فهد: عز الدين عبدالعزيز بن عمر، غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام، تحقيق فهيم محمد شلتوت، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1409هـ - 1989م، ج3، ص 190 - 199؛ العصامي: بعدالملك بن حسين، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م، ج4، ص 330 - 336
(4) القامة: من وحدة المقاسات وتُعرف باسم الباع، وهي المسافة بين رؤوس الأصابع اليمنى إلى رؤوس الأصابع اليسرى مع الصدر والكتفين عند بسطهما، ويقدر طولها بنحو 165 سم تقريباً.
رابط المقال بجريدة الجزيرة
http://213.136.192.26/2006jaz/sep/3/wo3.htm (http://213.136.192.26/2006jaz/sep/3/wo3.htm)