السنبوك
02-01-2012, 04:17 AM
http://www.faresand-behar.com/Gallery/images/bas/0009.gif
مـــــــقــــدمـــة : -
منذ القدم ، وعبر السنوات والقرون كان للإنسان فى المملكة العربية السعودية علاقة متينة بالبحر ظلت قائمة حتى وقت ليس بالبعيد وما يزال الإنسان السعودى يتعامل مع البحر بصورة مختلفة ، حتى بعد أن من الله على هذه البلاد المترامية الأطراف بالخير والازدهار على أثر توحيد المملكة على يدي المغفور له الملك "عبد العزيز آل سعود " وأبنائه من بعده ، الذين فتحوا أمام الإنسان السعودي أبواب العمل المختلفة ويسروا له – بفضل الله تعالى – سيل العيش الكريم ولكن علاقة أزلية مازالت قائمة بين الإنسان السعودي والبحر رغم أخطاره ومشقة العمل فيه ، والتعامل معه .
إذا كان الإنسان السعودي قد تخلى عن الغوص في أعماق البحر لاستخراج "المحار" المطبق على حبات اللؤلؤ الطبيعي فإنه لم يتخلى عن المياه الزرقاء ولا زال حنينه إليها قائماً ومتصلاً بشكل أو بآخر ، ومايزال ذكريات الماضى القريب عالقة بأذهان أولئك البحارة الشجعان الذين واجهوا أسماك القرش وغوائل البحر وأنواعه المتقلبة الحاملة للأخطار .
وحول البحر والإنسان على شواطئ البحر الأحمر والخليج العربي سيجد القارئ في هذا الكتيب بعض الملامح الأساسية فى حياة البحار السعودى الذى ورث عشق البحر عن آبائه وأجداده كمصدر وحيد لمعيشة الإنسان على الساحل الشرقي للخليج العربي ، وكمصدر أساسي للعيش على الساحل الغربي (البحر الأحمر) الممتد من الشمال إلى الجنوب بطول 1700كم ، وبظهور البترول وتطور البلاد وظهور اللؤلؤ الصناعي انصرف أهل البحر إلى أعمال أخرى وفرتها لهم الدولة في كل منطقة من مناطق المملكة . مع البحر والإنسان يسر الرئاسة العامة لرعاية الشباب / إدارة التراث والفنون الشعبية أن تضع هذا المختصر عن علاقة الإنسان السعودي بالبحر بمناسبة إقامة مهرجان أيام البحر لدول مجلس التعاون العربية في مدينة جدة ليطلع الشاب العربي / الخليجي على صفحات مضيئة من حياة أبيه وجده وأعمامه وخئولته الذين حفروا في البحر أخاديد بأصابعهم القوية التي قهرت البحر بجبروته وغدره وحيتانه الخطيرة ، وعسى أن يجد القارئ في هذا الكتاب ما يطمح إلى معرفته عن الإنسان .. والبحر في المملكة العربية السعودية على الساحلين الشرقي والغربي كنموذج لنمط المعيشة قبل قيام الدولة السعودية الحديثة ، وقد استمدت مادة هذا الكتيب من أفواه أناس عايشوا تلك الفترة التي كان البحر هو المصدر الأساسي للمعيشة على الساحلين الغربي والشرقي ، وخاضوا غماره وتحملوا أخطاره ، وقاسوا مشقته ، وتحملوا تقلباته ، والذين ترك البحر بصماته على وجوههم وأجسامهم رغم مرور عشرات السنين على العصر الذهبي للبحر الذي كان مقصداً للآلاف من أبناء منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر ، يلتهم منهم من حل أجله ، ويعود بخبراته من مازال له في الحياة بقية ، وكما قالوا جميعاً : أن الداخل إلى البحر مفقود .. والعائد منه مولود للدلالة على خطورة التعامل مع البحر الذي إذا غضب فلا يرضيه سوى التهام الطافيات على سطحه من الساعيات الحاملة لبني الإنسان إلا من حمى الله تعالى ولكنه رغم ذلك يعتبر رمزا للخير والعطاء مهما تقلبت أحواله ، وكثرت أهواله وأخطاره . ومن الساحل الشرقي تبدأ رحلة الإنسان والبحر .
الساحل الشرقي (1)
يتميز بحارة الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية بالألفة والترابط الوثيق فيما بينهم ، والتعاون مع بعضهم البعض في شتى أمور الحياة في وقت كانت أسباب المعيشة فيه تتطلب مثل هذا النمط من المعاملة حيث شح الموارد وصعوبة الحصول على لقمة العيش ، وأخطار البحر .. الخ .
ومن هنا فقد أوجد البحارة لأنفسهم نظاماً اجتماعياً يتكافل فيه الجميع للتغلب على شغف العيش وقساوة الحياة في ظل غياب أي مورد للرزق عدى ما يستخرجه أولئك الرجال من أعماق الخليج بعد رحلة شاقة ومضنية تستغرق أربعة أشهر وعشرة أيام من كل عام يعودون بعدها بما تيسر لهم من حبات اللؤلؤ التي يبيعها النوخذة (1) للطواشى (2) ثم يقتسمون العائد كل حسب نصيبه المتعارف عليه .
رحلة الغوص
تبدأ الرحلة بإنزال (المحمل) (3) إلى الماء على صوت (النهام)(4) الذي يردد أجمل الألحان فيبعث الدفء في دماء الرجال ويوحد جهودهم أثناء دفع المحمل من اليابسة إلى الماء تمهيداً لتجهيزه للرحلة فإذا وجد أنه يحتاج إلى صيانة أو اصلاح فإنهم يتعاونون على ذلك حتى يصبح المحمل جاهزاً للابحار بعد أن يتم (سقب) (5) الدقلين (العود ، والغمى) وتثبت الأشرعة وتعبئة خزان الماء بما يكفي ليومين حتى يصلوا إلى (خروفشت)(7) فيملأون خزان الماء استعداداً للإبحار باتجاه (الهير) (8) الذي يقصدونه بعد أن يكون كل منهم قد تجهز بالمعدات اللازمة له طوال فترة الأربعة أشهر وعشرة أيام - والتي أهمها معدات الغوص والحطب ، والتمر ، (والعيش)(9) والماء ثم ينطلقون باتجاه أحد الهيرات مثل شتيا ، بشقته ، أبو حاقول ميانة ، خورة .. الخ ، حتى اذا وصلوا الى الهير المطلوب يبدأ كل غواص بالاستعداد للغوص في قدمه ، والحبل الذي يمسك به بأصابع قدمه والذي يتم سحبه بواسطته من قاع البحر كما أنه يعلق (الدجين) (11) في رقبته بعد أن يكون قد وصل إلى القاع ليضع فيه المحار الذي يلتقطه برشاقة ونشاط حتى يرى أن الهواء قد أوشك على النفاذ من رئتيه وعندما يسحب الحبل الذي نقله من قدمه إلى يده فيقوم (السيب) (12) بسحب الضواحي من قاع البحر حتى يظهر رأسه على سطح الماء فيأخذ منه المحار الذي جمعه ثم يعود الغواص إلى الماء مرة أخرى وهكذا حتى نهاية اليوم يقومون بحصر عدد أكياس المحار التي جمعها كل غواص ، وفي صباح اليوم التالي يقومون بغلق المحار لاستخراج اللؤلؤ منه ثم يسلمونه للنوخذة ويبدأون في الغوص مرة أخرى وهكذا حتى نهاية فترة الغوص والعودة إلى الأهل الذين يقفون على الشاطئ في انتظارهم .
موسم الغوص
تبدأ الرحلة الأساسية للغوص مع بداية فصل الصيف وتنتهي بنهايته لكون الصيف هو أنسب الفصول للغوص حيث لا برد ولا عواصف ، وهناك رحلتان أخرتان للغوص تستغرق كل منها شهر أو أقل ، تكون الأولى في نهاية فصل الشتاء ويطلق عليها (الردة) وهذه لا تخضع للنظام المتبع في الفترة الرئيسية للغوص لكونها رحلة خاصة بالبحارة أنفسهم وليس لها علاقة بالاتفاقيات المعقودة مع النواخذة ويقتسم بحارة كل محمل عائد رحلتهم حسب الأسهم المخصصة لكل منهم .
أهل الغوص
تعتبر قبيلة الدواسر من سكان الدمام ، وبني علي من سكان دارين أشهر أهل الغوص إلى جانب أهل سيهات ، وسنابس وتاروت والخبر ولكل قبيلة علم خاص بها في رأس الدقل يكون دليلاً على أصحاب المحمل . وهناك من رجال البادية في وسط المملكة العربية السعودية يشاركون في رحلات الغوص خلال فترة الصيف ويعودون إلى أهلهم بعد انتهاء الرحلة .
توزيع الأدوار على المحمل
يعتبر النواخذة هو الرجل الأول خلال رحلات الغوص وأوامره واجبة النفاذ ، كما أن أحكامه لا مناقشة فيها ، وهو الذي يختار الرجال الذين يرافقونه في الرحلة ويوجههم ، وهو الذي يبيع اللؤلؤ على الشواطئ ومن أشهر النواخذة " راشد بن فاضل " الذي وضع خارطة (نايله) وضع المسالك الصحيحة في الخليج وتحديداً المناطق التي يوجد بها المحار وهو من بني علي أهل دارين ، النواخذة " عيسى صالح الحسن الدوسري " و" عيسى بن أحمد المساعرة " من أهل الدمام إضافة إلى بن مقبل ، وبن درباس من أهل دارين ، وأبو فرسن والمهنا ، والخال وغيرهم من الدمام ، وتنقسم وظائف البحارة على المحمل حسب وظيفة كل منهم ، فالغيص (الغواص) تنحصر مسئوليته في الغوص وجلب المحار والمشاركة في فتح (فلق) المحار والسبب يقوم بسحب الحبل الذي يمسك به الغواص وينتشله من القاع كما أنه يشارك في فالق المحار والقيام بالوظائف الأخرى التي يأمره بها النواخذة وهناك (المقدمى) الذي يلي النواخذة في المرتبة وهو ينفذ توجيهات النواخذة ويتابع سير العمل على ظهر المحمل وهناك (السكوني) الذي يمسك بالسكان (الدفة) والشباب يقوم بالأعمال المساعدة وغالباً ما يكون من الغلمان المبتدئين في رحلات الغوص .
مستلزمات الغوص
لكل واحد من الغواصين مجموعة من القطع التي تساعده على أداء عمله ومن تلك الأدوات:
1 – الخبط عبارة عن قفاز يلبسه الغواص لحماية كفيه وأصابعه .
2 – الغطام يضعه الغواص على أنفه ليمنع دخول الماء اليه .
3 – الشمشول : سروال الغوص والبا ما يكون أسود اللون تفادياً لهجمات (الجرجور) أو (الدول)(13) وغيرها من هوام البحر .
كيفية توزيع العوائد
بعد انتهاء فترة الغوص ، وبيع (القماش) اللؤلؤ يتم توزيع عائد البيع حسب الاتفاق فهناك (الخماس) الذي يقسم العائد إلى خمسة أشخاص يكون نصيب صاحب المحمل خمس ثم تخصم المصروفات التي أنفقها النوخذة للطعام ويتم توزيع الباقي حسب الأسهم ويأخذ النوخذة كمثل نصيب الغواص أما السيب فإنه يأخذ أقل من الغواص أما الشباب فإنه يكتفي بجمع فضلات اللؤلؤ التي يجدها بين قشور المحار وربما لا يجد شيئاً . وهناك من النواخذة من يعطى البحار لفة في فصل الشتاء مقابل أن يذهب معه في الصيف وبعد انتهاء رحلة الغوص يتحاسبون فان بقي للبحار شيء أخذه وربما يعود البحار وهو مدان للنوخذة .
التأديب والعلاج
عندما يكون المحمل في عرض البحر فإن النوخذة هو الحاكم فإذا أخطأ أحد البحارة على بحار آخر يأمر النوخذة بربطه في الدقل ثم يضربه حتى يرى أنه أخذ حقه وإذا كان مقراً بالخطأ ولم يقاوم فإنه يأخذ جزاءه بدون ربط في الدقل .
أما إذا مرض أحد البحارة فإن هناك وسيلتين فقط لعلاجه إما أن يسقى (العشرج) أو يتم كويه بالنار فإن شفي كان خيرا وإذا توفى فإنهم يصلون عليه ثم يربطون في رجله كيسا مملوءا بقشر المحار ويلقوه في الماء ليأخذ طريقه إلى قاع البحر وأسنان القرش وذلك لاستحالة الاحتفاظ بالجثة طوال مدة الغوص في ظل غياب بعض الوسائل اللازمة لحفظ الجثة دون أن تتعفن ، وقد ذكر أحد البحارة (14) أنه حضر وفاة سبعة من البحارة ألقيت جثثهم في الماء والبعض الآخر تم دفنهم في أقرب الجزر اليهم . وهناك الوفيات الناتجة عن نفاذ الهواء من رئتي الغواص قبل أن يتمكن من الصعود ويسمى (سنيان) أو تلك التي تنتج عن فقد الغواص للحبل الذي سوف ينتشله السيب بواسطته ولم يكن هناك أطباء أو مستشفيات عدى طبيب أمريكي في البحرين إسمه (ديم) وكان الوصول إليه صعباً .
علاقات خليجية مشتركة
كانت البحرين هي المصدر الرئيسي لمتطلبات حياة أهل البحر والغوص في الخليج وغالبية مشترواتهم كانت من أسواق البحرين ، كما أن قبيلة الدواسر الموجودة بالدمام قدمت أصلاً من (البديع) البحرين كما أن قبيلة (بني علي) أهل دارين قدموا أصلاً من البحرين حسب ما ذكره الرواى سالم الشاووش كما أن البحارة من دول الخليج كانوا يتقابلون ويتسامرون خلال رحلات الغوص وليس هناك مكان مخصص لأحد ، البحر للجميع والرزق للجميع بدون تفريق ولذلك كثيرا ما يغوض أهل الدمام أو أهل قطر في هيران تابعة للبحرين وبالعكس وبهذا الشكل يكون هؤلاء البحارة قد وضعوا القاعدة الأولى للتعاون بين دول منطقة الخليج العربي منذ عشرات السنين .
ومن أشهر النواخذة الخليجيين المعروفين لدى البحارة السعوديين الرومي من الكويت ، والجلاهمة والعمامرة ، وجبر المسلم وأبو خميس من البحرين وغيرهم ، وكثيراً ما كان البحارة السعوديين يعملون من نواخذة من الكويت والبحرين وقطر والعكس صحيح .
الغناء على ضفاف الخليج
يعتبر الغناء تعبيراً بين أبناء الخليج العربي فكل حركة يقومون بها أثناء سفرهم كان الغناء قاسماً مشتركا فيها وكان وجود (النهام) ضرورياً ومهماً في رحلات الغوص فهو الذي يحث البحارة على العمل ، ويوحد حركتهم منذ بداية الرحلة إلى نهايتها فعند دفع المحمل إلى الماء يكون الغناء ، وعند رفع الدقل أيضاً هناك نهمة خاصة به ، وكذلك رفع الشراع ، والتجديف ، وعند العودة من الرحلة تقام العرضة ، وخلال رحلات (الخانشية ، والردة) يعتبر الغناء مادة أساسية في حياة البحارة كما أن فن الفجري يعتبر قاسماً مشتركاً بين أبناء المملكة العربية السعودية ، والبحرين وقطر ، والكويت وجميعهم يجيدون هذا اللون من الغناء إجادة تامة ، وينقسم فن الفجري إلى خمسة أقسام هي : العدساني ، والبحري ، والحدادي ، والمخولف والحساوي ولذلك فان سمرات البحارة من هذه الدول كانت تقام في عرض الخليج بتفاهم وتناسق ومايزال أهل البحر في المنطقة الشرقية في المملكة يجتمعون مساء كل ليلة في (الدور) (15) كما كانوا في السابق يتسامرون ويغنون ويتبادلون الزيارة مع الدور الاخرى في قطر والبحرين والكويت لوجود التجانس الكبير في الفنون الغنائية بين أبناء هذه المناطق . وهناك ألوان أخرى من فنون الغناء مثل الذواري والعاشوري ، وعلى سدرة ، والفريسة والصوت ، وغيرها من الألوان الغنائية الثرية التي يتقنها أبناء الساحل الشرقي ويرددونها في سمراتهم ، واسفارهم شيباً وشباناً ، ويعتبر الزاجل المعروف بالزهيريات (السباعية والخماسية) مادة أساسية يرددها النهام في لون الفجرى . وكثيرا ما يذكر النهام في مواقع كثيرة إسم الله تعالى ويكبر ويصلى على الرسول " صلى الله عليه وسلم " بصوت شجي حنون ويطلب من الله تعالى التوفيق والسداد .
صيد السمك عمل ثانوي
لا يوجد لصيد السمك لدى سطان الساحل الشرقي أهمية اقتصادية قبل اكتشاف البترول وغالباً ما كان الصياد يوزع صيده على جيرانه ويحتفظ لنفسه بجزء منه أما البيع فلم يكن مجدياً لأن الجميع بحارة وصيادون ولم يكن هناك وسائل لحفظ السمك من العفن ولهذا فإنه كان محدود البيع ، كما أنه لم يكن مغرياً كمثل اللؤلؤ الذي يدر على صاحبة المال ومن هنا فان صيادي السمك كانوا في الأغلب الأعم من الذين لا يستطيعون دخول البحر والغوص في أعماقه لاستخراج المحار . وتستخدم في صيد السمك الشباك ، والسنارة والقرقور .
أخطار البحر
كثير ما كان البحارة يتعرضون لاخطار البحر ومن أهمها ما يعرف بسنة (الطبعة) التي غرق فيها أناس كثيرون وقد جاءت في نهاية فترة الغوص ، لم يتبق على العودة إلى الأهل والوطن سوى أيام قليلة ولكن العاصفة أخذتهم على غرة تقلبت المراكب ، وتناثر ركابها في مياه الخليج فمات من مات وانقد من أنقذ ولكن الغواصون مازالوا يذكرون هذه الواقعة التي حولت الفرحة بالعودة إلى حزن عميق إضافة إلى أسماك القرش (الجرجور) وكائنات بحرية أخرى تجثم على الضواحى حتى يموت إضافة إلى المرض ونفاذ الأوكسجين من الرئتين أثناء وجود الغواص في القاع وعدم خروجه في الوقت المناسب .
أشهر تجار اللؤلؤ
من أشهر تجار (القماش) اللؤلؤ في منطقة الخليج (بو حجي) والسو والقصيبي ، وسلمان بطى وغيرهم وهؤلاء يشترون اللؤلؤ من (الطواويش) التجار الصغار ثم يصدرونه إلى الهند التي كانت من أهم البلدان التي تستورد اللؤلؤ من تجار الخليج العربي .
الساحل الغربي "ب"
يمتد الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية من الشمال للجنوب بطول (1700كم) ويتميز بالشعب المرجانية الغنية بأحيائها البحرية وتم على هذا الساحل عدة مدن وقرى احترف أهلها الصيد البحري بأنواعه المختلفة ، وبالعكس الساحل الشرقي فإن صيد السمك في مناطق الساحل الغربي به جدوى اقتصادية منذ القدم إضافة إلى الغوص في أعماق البحر لاستخراج شجرة (اليسر)(1) والصدف ، والنقل بالسفن بين السويس وموانئ السودان ، واليمن والموانئ السعودية ، وبذلك تنقسم تخصصات التجارة إلى ثلاثة أقسام :
الأول : صيد السمك بأنواعه .
الثاني : الغوص لاستخراج الصدف والمحار واليسر والنهيد .
الثالث : النقل بالسفن بين الموانئ المختلفة على البحر الأحمر .
النقل البحري
ومن ميناء ينبع القديم كانت السفن (السنابيك) كبيرة الحجم تحمل الفحم إلى ميناء السويس ، وتحضر بدلاً منه الأرز ، والأقمشة والبصل والعسل وتحمل التمر إلى اليمن وجنوب المملكة وتحضر بدلاً منه الدخن ويقوم بالخدمة على هذه السفن الشراعية عدد من الأشخاص كل منهم يقوم بمهمة معينة ومعروفة .
فالرئيس : يختص بتجهيز الأوراق وإحضار البضاعة وكل الأعمال على اليابسة :
والربان : قائد السفينة في البحر .
الفرادى : مساعد الربان ويختص بالسكان (الدفة) طوال الرحلة .
المقدم : يرتب البحارة ويوزع العمل عليهم أثناء الرحلة .
البحارة : يقومون بالاعمال المطلوبة منهم حسب توجيهات المقدم .
وكانت صناعة النقل بالسفن رائجة نظراً لتدفق الحجاج وزوار المدينة المنورة ولذلك لم تقتصر مهمة البحارة في الساحل الغربي على صيد السمك والغوص كما هو الحال في الساحل الشرقي . إضافة إلى نقل البضائع بين موانئ البحر الأحمر . وكان يطلق على الساحل الشرقي للبحر الأحمر (بر عرب) والساحل الغربي (بر عجم) وهي تسمية معروفة بين البحارة وكانوا يستخدمون البوصلة (ديرة) لتحديد الاتجاه إضافة إلى النجوم ، وكان الاتجاه يتم خلال النهار أما في الليل فترسو السفينة في أقرب مرسى إلا في الحالات الضرورية .
صيد السمك
توجد في البحر الأحمر أنواع كثيرة من الأسماك مثل البياض ، والشعور والمرجان ، والفراس ، وأبو قرن والشك ، والضيراك ، والصرع ، الناجل .. الخ ، ولذلك فإن الأسماك كانت مصدراً كبيراً للتجارة وازدهرت في (ينبع) صناعة السمك الناشف الذي يصدر إلى مدن المملكة الأخرى ويقبل عليه أبناء حضرموت إضافة إلى السمك الطازج الذي يستهلك محلياً في جدة ، وينبع وجيزان ورابغ وثول وغيرها من المدن الواقعة على البحر الأحمر .
طرق ووسائل الصيد
يستخدم الصيادون على شواطئ البحر الأحمر عدة وسائل لصيد السمك ولكل نوع من الأسماك وسيلة صيد معروفة لدى الجميع .
فهناك الصيد بالسنارة (الجلب) والشوار وتستخدم في المناطق ذات الشعب المرجانية في المياه الضحلة وهي عبارة عن شبكة طولها قرابة (60 – 70) مترا وعرض (100 – 50) سم تصنع من خيوط القطن المستورد من السودان والسويس إضافة إلى شجرة (العشر) المتوفرة بالمنطقة الغربية الذي يقطع جذعه المجوف إلى قطع صغيرة من شأنها أن تجعل الشبكة تطفوا على سطح الماء من طرفها العلوي بينما يثبت في طرفها الأسفل قطع فخارية تسمى المدر تشد الشبكة إلى الأسفل وقد تم استبدال العشر بالفلين والمدر بالرصاص ومن شأن هذه الشبكة أن تحجز السمك الذي يدخل في محيطها .
والوسيلة الثالثة الصيد بالصيخ أو الحربة أو السهم حيث يحضر الصياد صفيحة معدنية (تنكة) فيفتح أحد جوانبها ثم يفتح في الجانب المواجه فتحة صغيرة على شكل مربع أو مستطيل (20 × 15سم) تثبت عليه قطعة زجاج ويدخل الصياد رأسه من خلال الجانب المفتوح فتكون الزجاجة كمنظار يتيح للصياد رؤية الأسماك تحت الماء فيرسل حربته باتجاهها فتنغرس في جسمها ويصيدها .
أما الوسيلة الرابعة فهي عبارة عن شبكة الصيد العادية التي يمسك بها الصياد بين يديه ثم يطوحها في الهواء فتصبح على شكل دائرة وتسمى في ينبع (المخدجة) وهي اربعة أنواع النوع الأول : المخدجة (الشبكة) العربية وفتحتها كبيرة ويصاد بها السمك العربي ، والقص ، والسجار وتستخدم في الأماكن الضحلة .
النوع الثاني : السردينة وهي مخصصة لصيد سمك الساردين .
النوع الثالث : المغوار وهي خاصة بسمك الرقطة وهو أصغر من الساردين .
والنوع الرابع : اليلمية وهي تجلب كل ما يقع تحتها نظراً لوجود حبال في أسفلها تسمى (القصبان) .
وهناك الصخوة ، والمهلكة من أدوات الصيد أيضاً .
كما أن هناك شبكة تسمى البوحى وهذه لا تلقى إلا بعد التأكد أن هذه المنطقة فيها سمك موجود فعلاً فيطوق بشبكة البوحي .
الغــــــــــــوص
ينقسم الغوص في البحر الأحمر إلى قسمين الأول : الغوص في مناطق الشعب المرجانية لصيد (النهيد) أما الصدف فيكون على عمق أكثر يقارب إثنى عشر قامة ، وفي منطقة الوزجة – شمال غرب المملكة – يغوصون لصيد (اليسر) الذي تصنع منه السبح والنهيد عبارة عن حيوان بحري داخل كرة حجرية تصنع منها أزارير الملابس والسبح ويصدر إلى السودان حيث يتم تصنيعه هناك ، ويغوص الغواصون خمسة عشر قامة في الماء بدون الاستعانة بأي أدوات مساعدة ، وأفضل وقت لصيد الصدف والنهيد يكون في شهور الصيف حين تكون المياه دافئة . والغواصون لجلب اليسر يستخدمون الحبال كمثل طريقة الغواصون في الساحل الشرقي أما صيادوا الصدف والنهيد فإنهم يعتمدون على جهدهم الخاص . وحتى الآن لم يستخدم الصيادون أجهزة الغطس الحديثة إلا فيما ندر .
وهناك نوع من الصدف يسمى (البصر) الذي تستخدم قشرته الخارجية طفايات سجائر . بينما يؤكل اللحم الذي بداخلها ، وهناك الصرنباق ودم الأخوين ولكل منها إستخدام خاص به ، كما أن السلاحف البحرية مفيدة حيث تؤخذ صحيفتها لتستخدم كأوعية للطعام بعد تنظيفها وصقلها .
أخطار البحر الأحمر
يتعرض البحارة في البحر الأحمر بسفنهم الشراعية لأخطار كثيرة منها الرياح الشديدة التي قد تغرق السفينة الشراعية إضافة إلى الأمطار أما الغواص فيتعرض لأخطار سمك القرش أو حوت التونة الخطير وهو الذي يفوق القرش في خطورته وحجمه وهناك نوع من سمك القرش إسمه (القصيف) يقفز بقوة تجاه الإنسان في لمح البصر وإذا لم يحترس منه فإنه يفتك به وهناك أنواع أخرى خطيرة مثل القرنة ، ودجاجة البحر ، والعقام وهو حيوان بحري خطير فمه شبيه بفم الكلب ؛ والشاقة (ثعبان البحر) التي تصيد أقدام الصيادين إذا لم ينتبه إليها . أما أبو سلامة (الدلفين) فهو صديق للإنسان ، وقد روي عن السابقين أن اطلاق اسم أبو سلامة على الدلفين يعود إلى أن الدلفين سبق وان انقذ ركاب سفينة غارقة فسمي بأبو سلامة كما أنه يرافق السفن في سيرها وهناك من يستخدم شحمه كدهان يشفى بعض الأمراض .
ومن أخطار البحر انكسار (الترمان) المثبت فيه الشراع مما يجعل السنبوك يميل وينقلب في الماء أو يجنح تجاه الصخور المرجانية فينكسر القارب .
السمسمية والغناء
ينقسم الغناء لدى البحارة إلى قسمين قسم في البر ، وقسم في البحر .
في البحر تكون السمسمية هي الآلة الرئيسية المرافقة للبحارة حيث يغنون عليها العسيري والحدري ، والمال ، والموال ، والخبيتى وغيرها أما البر فيغنى فيه الدلوكة والعجل . ومن الحدري يغني البحارة على شكل موال فيقول :
يا عين كفى هليل الدمع
تصبري والرجا في الله
كثر البكا ينكتب لك دم
والموت في رقاب خلق الله
* * *
ومن الحدري أيضاً :
الأولة ذكرت الله
والثانية على النبي صليت
مخلص ولا لي في خلق الله
لا أخذت منهم ولا وديت
* * *
ومنه أيضاً :
الشوف والعافية قسمة
والعين متهنية بالنوم
محمد اللي عرفنا إسمه
والرزق ما حد عرف له يوم
* * *
بكيت وبكيت من جاني
حتى الحصى من بكايا لان
عزى لمن قال يا أخواني
يموت وما انقضى له شان
وكل مقطع من المقاطع الماضية يسمى (كسرة) ويغنى على السمسمية أو القانون .
ومن اللعبات الشعبية المعروفة في ينبع (الرديح) و (الدلوكة) و (العجل) و الرديح عبارة عن محاورة بين شاعرين ويتغير اللحن من شطرة إلى أخرى .
وينقسم الرديح إلى أربعة أقسام هي : الليحانى ، والسلام ، وزمنين ، ويا مالك الروح ويكون الاختلاف في لحن كل منها . ويتغنى البحارة بالعجل عند دخولهم البلد بعد قدومهم من السفر . أما الآن فإنهم يغنون العجل في المناسبات وكما يردد البحارة في المنطقة الشرقية بعض العبارات التي تشجع على العمل فان بحارة الساحل الغربي ايضاً يرددون بعض العبارات الغنائية عند رفع الشراع أو إنزاله ، أو القيام بعمل جماعي وتسمى (نبوه) مثل :
الفريق الأول : يالله على بابك .
الفريق الثاني : يا كريم .
وهناك الطرب الينبعاوي المعروف مثل الموال ، والأغنيات التي تؤدى مع فرقة موسيقية مصغرة ومن المواويل الينبعاوية :
خذ من الناس واعط الناس وآمنهم
واحرص من الناس لأن الناس آه منهم
يوم يطلبوا الصلح نسيو الليى جرى منهم
إن آذان الله وجابوا ناس تضمنهم
لاجدد الصلح لكن باحترس منهم
* * *
يا سادتي وان نسيتوني انا فاكر
وإن أسأتم إليه أنا لأحسنكم شاكر
وحياة من نزل صورة تبارك أنا فاكر
إن غبتم عن العين ما تغيبوا عن الخاطر
وفي منطقة جدة يتغنون بالزومال والصهبة ، والسمسمية ، والمزمار إضافة إلى الألعاب الرياضية مثل الكبت والأستغمائية وغيرها ، وكان الطرب أساسي في حياة البحارة في الأفراح والمناسبات مثل الأعياد والمواسم .
وفي منطقة جدة كانت السفن الشراعية تقوم بنقل البضائع والركاب من البواخر الكبيرة الراسية بعيداً عن الشاطئ لعدم وجود ميناء ترسوا عليه إضافة إلى أعمال الصيد والغوص والسفر .
وفي جدة تستخدم أنواع من الشباك منها (الجريم) الذي يستخدم في صيد اسماك الشعب المرجانية مثل الحريد ، وأبو قرن والسيجان ومنها (السلابيات) وتستخدم في الأماكن الرملية حيث يوجد السمك العربي ، والقاص وهناك نوع ثالث من الشباك تسمى الطوليات وهي وسط بين الجريم والسلابيات إلى جانب ذلك توجد وسائل أخرى للصيد مثل الصخوة وهي شبيهة إلى حد ما بالقراقير في المنطقة الشرقية إضافة إلى السنانير المعروفة .
الفزعـــــــــــــــة
كان للبحارة على الساحل الغربي عادات يحافظون عليها ومنها (الفزعة) أي النجدة أو المساعدة عندما يحتاج بحارة إليها سواء عند إصلاح سنبوك أو صناعته ، أو إخراجه من الماء أو إدخاله إلى البحر كما هي العادة في الساحل الشرقي ، وفي المناسبات يفزع الجميع .. كل يقوم بعمل معين طوال الأسبوع في حالات الزواج وتسمى هذه العادة (الوفا) كما أن الاحترام للمهنة موجود حتى الآن وإذا حدث خلاف بين الصيادين فإنهم يلجئون إلى شيخة الفصل فيها وفي حالات الوفاة توجد الفزعة كل يقوم بعمل كنوع من التكافل الاجتماعي بين البحارة وإخلاص النية لديهم والصدق في التعامل . ورعاية الأسر التي يكون عائلها في البحر حيث تستمر بعض الرحلات لمدة ثمانية أشهر أو سبعة أشهر يتولى خلالها الموجودون في البلد رعاية أسر الغائبين .
أشهر البحارة
من الرؤساء والبحارة الممتازين " حسن حدوى " أحد كبار البحارة والذي تعلم على يديه الكثيرون ، والحاج " سيد شمعة " ، و " محمود درويش " ، و " أحمد جابر " ، و" عابد عطيوي " ، و" نافع بن أحمد " ، و " شحاته ميهى " ، و " محمد سكران " وغيرهم .
الختـــــــــــام
كانت هذه نبذة موجزة عن الانسان والبحر في المملكة العربية السعودية قبل النهضة المباركة التي تعيشها الآن والتي شملت البحارة وغيرهم فأصبحوا ينعمون بالوسائل الحديثة والمريحة ومازالوا يواصلون رحلاتهم البحرية في السفر والصيد أما الغوص فإنه قد اندثر من الخليج منذ عام 1944م – كما ذكر العارفون – على أثر قيام شركة أرامكو التي استقطبت أعداد كبيرة من البحارة وظهور اللؤلؤ الصناعي الذي اكتسح سوق اللؤلؤ بحيث أصبح البحث عنه غير مجدياً اقتصادياً وكذلك الحال على الشاطئ الغربي ولكن الصيد مازال مزدهراً بعد أن توفرت للصيادين وسائل الصيد الحديثة التي خفضت من التكاليف ووفرت الأمان لهم في حلهم وترحالهم في ظل رعاية خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وحكومته الرشيدة التي قدمت القروض والمساعدات واقامت الأسواق النظيفة للصيادين الذين يعيشون الآن عصرهم الذهبي وبالله تعالى التوفيق .
الـــــــــــــــرواة
1 – ادريس جمعان الدوسري (60سنه) .
2 – حسن عبد الله أبو علي الدوسري (63 سنه) .
3 – سالم عبد الله الشاووش (70سنه) .
4 – محمد عزيز إبراهيم .
هوامـــــــــــــــش
1 – النواخذة : المسئول الأول والأخير عن المحل وهو الذي يبيع اللؤلؤة ويوزع العوائد على البحارة .
2 – الطراش : التاجر الذي يشتري اللؤلؤة من النواخذة .
3 – المحملى : سفينة خشبية كبيرة تصنع محلياً تستخدم في الغوص وتحمل بين 80 – 40 بحارا .
4 – النهام : أحد البحارة ذو صوت جميل وقوي يحفز البحارة على العمل ويشاركهم الغناء في السحر .
5 – سعب : ركز الساري (الدقل) في موقعه من السفينة .
6 – الغلمى : دقل صغير الحجم كاحتياط للدقل الكبير .
7 – خرفشت : موقع قرب البحرين يوجد به عين ماء عذب تتدفق من أعماق البحر .
8 – الهير : الموقع الذي يوجد به المحار الذي يحتوي على اللؤلؤ .
9 - العيش : الارز المستورد من الهند واليابان .
10 – الغطام : يضغط على فتحتي الأنف ليمنع دخول الماء إلى رئتي الغواص .
11 – الدجين : وعاء شبكي يعلقه الغواص في رقبته ويضع فيه المحار .
12 – السيب : البحار الذي يساعد الغواص على الغوص ويجذبه من قاع البحر بواسطة حبل .
13 – الدول : حيوان بحري يجثم على الغواص حتى يموت .
14 – سالم عبد الله الشاووشى .
م/ن
مـــــــقــــدمـــة : -
منذ القدم ، وعبر السنوات والقرون كان للإنسان فى المملكة العربية السعودية علاقة متينة بالبحر ظلت قائمة حتى وقت ليس بالبعيد وما يزال الإنسان السعودى يتعامل مع البحر بصورة مختلفة ، حتى بعد أن من الله على هذه البلاد المترامية الأطراف بالخير والازدهار على أثر توحيد المملكة على يدي المغفور له الملك "عبد العزيز آل سعود " وأبنائه من بعده ، الذين فتحوا أمام الإنسان السعودي أبواب العمل المختلفة ويسروا له – بفضل الله تعالى – سيل العيش الكريم ولكن علاقة أزلية مازالت قائمة بين الإنسان السعودي والبحر رغم أخطاره ومشقة العمل فيه ، والتعامل معه .
إذا كان الإنسان السعودي قد تخلى عن الغوص في أعماق البحر لاستخراج "المحار" المطبق على حبات اللؤلؤ الطبيعي فإنه لم يتخلى عن المياه الزرقاء ولا زال حنينه إليها قائماً ومتصلاً بشكل أو بآخر ، ومايزال ذكريات الماضى القريب عالقة بأذهان أولئك البحارة الشجعان الذين واجهوا أسماك القرش وغوائل البحر وأنواعه المتقلبة الحاملة للأخطار .
وحول البحر والإنسان على شواطئ البحر الأحمر والخليج العربي سيجد القارئ في هذا الكتيب بعض الملامح الأساسية فى حياة البحار السعودى الذى ورث عشق البحر عن آبائه وأجداده كمصدر وحيد لمعيشة الإنسان على الساحل الشرقي للخليج العربي ، وكمصدر أساسي للعيش على الساحل الغربي (البحر الأحمر) الممتد من الشمال إلى الجنوب بطول 1700كم ، وبظهور البترول وتطور البلاد وظهور اللؤلؤ الصناعي انصرف أهل البحر إلى أعمال أخرى وفرتها لهم الدولة في كل منطقة من مناطق المملكة . مع البحر والإنسان يسر الرئاسة العامة لرعاية الشباب / إدارة التراث والفنون الشعبية أن تضع هذا المختصر عن علاقة الإنسان السعودي بالبحر بمناسبة إقامة مهرجان أيام البحر لدول مجلس التعاون العربية في مدينة جدة ليطلع الشاب العربي / الخليجي على صفحات مضيئة من حياة أبيه وجده وأعمامه وخئولته الذين حفروا في البحر أخاديد بأصابعهم القوية التي قهرت البحر بجبروته وغدره وحيتانه الخطيرة ، وعسى أن يجد القارئ في هذا الكتاب ما يطمح إلى معرفته عن الإنسان .. والبحر في المملكة العربية السعودية على الساحلين الشرقي والغربي كنموذج لنمط المعيشة قبل قيام الدولة السعودية الحديثة ، وقد استمدت مادة هذا الكتيب من أفواه أناس عايشوا تلك الفترة التي كان البحر هو المصدر الأساسي للمعيشة على الساحلين الغربي والشرقي ، وخاضوا غماره وتحملوا أخطاره ، وقاسوا مشقته ، وتحملوا تقلباته ، والذين ترك البحر بصماته على وجوههم وأجسامهم رغم مرور عشرات السنين على العصر الذهبي للبحر الذي كان مقصداً للآلاف من أبناء منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر ، يلتهم منهم من حل أجله ، ويعود بخبراته من مازال له في الحياة بقية ، وكما قالوا جميعاً : أن الداخل إلى البحر مفقود .. والعائد منه مولود للدلالة على خطورة التعامل مع البحر الذي إذا غضب فلا يرضيه سوى التهام الطافيات على سطحه من الساعيات الحاملة لبني الإنسان إلا من حمى الله تعالى ولكنه رغم ذلك يعتبر رمزا للخير والعطاء مهما تقلبت أحواله ، وكثرت أهواله وأخطاره . ومن الساحل الشرقي تبدأ رحلة الإنسان والبحر .
الساحل الشرقي (1)
يتميز بحارة الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية بالألفة والترابط الوثيق فيما بينهم ، والتعاون مع بعضهم البعض في شتى أمور الحياة في وقت كانت أسباب المعيشة فيه تتطلب مثل هذا النمط من المعاملة حيث شح الموارد وصعوبة الحصول على لقمة العيش ، وأخطار البحر .. الخ .
ومن هنا فقد أوجد البحارة لأنفسهم نظاماً اجتماعياً يتكافل فيه الجميع للتغلب على شغف العيش وقساوة الحياة في ظل غياب أي مورد للرزق عدى ما يستخرجه أولئك الرجال من أعماق الخليج بعد رحلة شاقة ومضنية تستغرق أربعة أشهر وعشرة أيام من كل عام يعودون بعدها بما تيسر لهم من حبات اللؤلؤ التي يبيعها النوخذة (1) للطواشى (2) ثم يقتسمون العائد كل حسب نصيبه المتعارف عليه .
رحلة الغوص
تبدأ الرحلة بإنزال (المحمل) (3) إلى الماء على صوت (النهام)(4) الذي يردد أجمل الألحان فيبعث الدفء في دماء الرجال ويوحد جهودهم أثناء دفع المحمل من اليابسة إلى الماء تمهيداً لتجهيزه للرحلة فإذا وجد أنه يحتاج إلى صيانة أو اصلاح فإنهم يتعاونون على ذلك حتى يصبح المحمل جاهزاً للابحار بعد أن يتم (سقب) (5) الدقلين (العود ، والغمى) وتثبت الأشرعة وتعبئة خزان الماء بما يكفي ليومين حتى يصلوا إلى (خروفشت)(7) فيملأون خزان الماء استعداداً للإبحار باتجاه (الهير) (8) الذي يقصدونه بعد أن يكون كل منهم قد تجهز بالمعدات اللازمة له طوال فترة الأربعة أشهر وعشرة أيام - والتي أهمها معدات الغوص والحطب ، والتمر ، (والعيش)(9) والماء ثم ينطلقون باتجاه أحد الهيرات مثل شتيا ، بشقته ، أبو حاقول ميانة ، خورة .. الخ ، حتى اذا وصلوا الى الهير المطلوب يبدأ كل غواص بالاستعداد للغوص في قدمه ، والحبل الذي يمسك به بأصابع قدمه والذي يتم سحبه بواسطته من قاع البحر كما أنه يعلق (الدجين) (11) في رقبته بعد أن يكون قد وصل إلى القاع ليضع فيه المحار الذي يلتقطه برشاقة ونشاط حتى يرى أن الهواء قد أوشك على النفاذ من رئتيه وعندما يسحب الحبل الذي نقله من قدمه إلى يده فيقوم (السيب) (12) بسحب الضواحي من قاع البحر حتى يظهر رأسه على سطح الماء فيأخذ منه المحار الذي جمعه ثم يعود الغواص إلى الماء مرة أخرى وهكذا حتى نهاية اليوم يقومون بحصر عدد أكياس المحار التي جمعها كل غواص ، وفي صباح اليوم التالي يقومون بغلق المحار لاستخراج اللؤلؤ منه ثم يسلمونه للنوخذة ويبدأون في الغوص مرة أخرى وهكذا حتى نهاية فترة الغوص والعودة إلى الأهل الذين يقفون على الشاطئ في انتظارهم .
موسم الغوص
تبدأ الرحلة الأساسية للغوص مع بداية فصل الصيف وتنتهي بنهايته لكون الصيف هو أنسب الفصول للغوص حيث لا برد ولا عواصف ، وهناك رحلتان أخرتان للغوص تستغرق كل منها شهر أو أقل ، تكون الأولى في نهاية فصل الشتاء ويطلق عليها (الردة) وهذه لا تخضع للنظام المتبع في الفترة الرئيسية للغوص لكونها رحلة خاصة بالبحارة أنفسهم وليس لها علاقة بالاتفاقيات المعقودة مع النواخذة ويقتسم بحارة كل محمل عائد رحلتهم حسب الأسهم المخصصة لكل منهم .
أهل الغوص
تعتبر قبيلة الدواسر من سكان الدمام ، وبني علي من سكان دارين أشهر أهل الغوص إلى جانب أهل سيهات ، وسنابس وتاروت والخبر ولكل قبيلة علم خاص بها في رأس الدقل يكون دليلاً على أصحاب المحمل . وهناك من رجال البادية في وسط المملكة العربية السعودية يشاركون في رحلات الغوص خلال فترة الصيف ويعودون إلى أهلهم بعد انتهاء الرحلة .
توزيع الأدوار على المحمل
يعتبر النواخذة هو الرجل الأول خلال رحلات الغوص وأوامره واجبة النفاذ ، كما أن أحكامه لا مناقشة فيها ، وهو الذي يختار الرجال الذين يرافقونه في الرحلة ويوجههم ، وهو الذي يبيع اللؤلؤ على الشواطئ ومن أشهر النواخذة " راشد بن فاضل " الذي وضع خارطة (نايله) وضع المسالك الصحيحة في الخليج وتحديداً المناطق التي يوجد بها المحار وهو من بني علي أهل دارين ، النواخذة " عيسى صالح الحسن الدوسري " و" عيسى بن أحمد المساعرة " من أهل الدمام إضافة إلى بن مقبل ، وبن درباس من أهل دارين ، وأبو فرسن والمهنا ، والخال وغيرهم من الدمام ، وتنقسم وظائف البحارة على المحمل حسب وظيفة كل منهم ، فالغيص (الغواص) تنحصر مسئوليته في الغوص وجلب المحار والمشاركة في فتح (فلق) المحار والسبب يقوم بسحب الحبل الذي يمسك به الغواص وينتشله من القاع كما أنه يشارك في فالق المحار والقيام بالوظائف الأخرى التي يأمره بها النواخذة وهناك (المقدمى) الذي يلي النواخذة في المرتبة وهو ينفذ توجيهات النواخذة ويتابع سير العمل على ظهر المحمل وهناك (السكوني) الذي يمسك بالسكان (الدفة) والشباب يقوم بالأعمال المساعدة وغالباً ما يكون من الغلمان المبتدئين في رحلات الغوص .
مستلزمات الغوص
لكل واحد من الغواصين مجموعة من القطع التي تساعده على أداء عمله ومن تلك الأدوات:
1 – الخبط عبارة عن قفاز يلبسه الغواص لحماية كفيه وأصابعه .
2 – الغطام يضعه الغواص على أنفه ليمنع دخول الماء اليه .
3 – الشمشول : سروال الغوص والبا ما يكون أسود اللون تفادياً لهجمات (الجرجور) أو (الدول)(13) وغيرها من هوام البحر .
كيفية توزيع العوائد
بعد انتهاء فترة الغوص ، وبيع (القماش) اللؤلؤ يتم توزيع عائد البيع حسب الاتفاق فهناك (الخماس) الذي يقسم العائد إلى خمسة أشخاص يكون نصيب صاحب المحمل خمس ثم تخصم المصروفات التي أنفقها النوخذة للطعام ويتم توزيع الباقي حسب الأسهم ويأخذ النوخذة كمثل نصيب الغواص أما السيب فإنه يأخذ أقل من الغواص أما الشباب فإنه يكتفي بجمع فضلات اللؤلؤ التي يجدها بين قشور المحار وربما لا يجد شيئاً . وهناك من النواخذة من يعطى البحار لفة في فصل الشتاء مقابل أن يذهب معه في الصيف وبعد انتهاء رحلة الغوص يتحاسبون فان بقي للبحار شيء أخذه وربما يعود البحار وهو مدان للنوخذة .
التأديب والعلاج
عندما يكون المحمل في عرض البحر فإن النوخذة هو الحاكم فإذا أخطأ أحد البحارة على بحار آخر يأمر النوخذة بربطه في الدقل ثم يضربه حتى يرى أنه أخذ حقه وإذا كان مقراً بالخطأ ولم يقاوم فإنه يأخذ جزاءه بدون ربط في الدقل .
أما إذا مرض أحد البحارة فإن هناك وسيلتين فقط لعلاجه إما أن يسقى (العشرج) أو يتم كويه بالنار فإن شفي كان خيرا وإذا توفى فإنهم يصلون عليه ثم يربطون في رجله كيسا مملوءا بقشر المحار ويلقوه في الماء ليأخذ طريقه إلى قاع البحر وأسنان القرش وذلك لاستحالة الاحتفاظ بالجثة طوال مدة الغوص في ظل غياب بعض الوسائل اللازمة لحفظ الجثة دون أن تتعفن ، وقد ذكر أحد البحارة (14) أنه حضر وفاة سبعة من البحارة ألقيت جثثهم في الماء والبعض الآخر تم دفنهم في أقرب الجزر اليهم . وهناك الوفيات الناتجة عن نفاذ الهواء من رئتي الغواص قبل أن يتمكن من الصعود ويسمى (سنيان) أو تلك التي تنتج عن فقد الغواص للحبل الذي سوف ينتشله السيب بواسطته ولم يكن هناك أطباء أو مستشفيات عدى طبيب أمريكي في البحرين إسمه (ديم) وكان الوصول إليه صعباً .
علاقات خليجية مشتركة
كانت البحرين هي المصدر الرئيسي لمتطلبات حياة أهل البحر والغوص في الخليج وغالبية مشترواتهم كانت من أسواق البحرين ، كما أن قبيلة الدواسر الموجودة بالدمام قدمت أصلاً من (البديع) البحرين كما أن قبيلة (بني علي) أهل دارين قدموا أصلاً من البحرين حسب ما ذكره الرواى سالم الشاووش كما أن البحارة من دول الخليج كانوا يتقابلون ويتسامرون خلال رحلات الغوص وليس هناك مكان مخصص لأحد ، البحر للجميع والرزق للجميع بدون تفريق ولذلك كثيرا ما يغوض أهل الدمام أو أهل قطر في هيران تابعة للبحرين وبالعكس وبهذا الشكل يكون هؤلاء البحارة قد وضعوا القاعدة الأولى للتعاون بين دول منطقة الخليج العربي منذ عشرات السنين .
ومن أشهر النواخذة الخليجيين المعروفين لدى البحارة السعوديين الرومي من الكويت ، والجلاهمة والعمامرة ، وجبر المسلم وأبو خميس من البحرين وغيرهم ، وكثيراً ما كان البحارة السعوديين يعملون من نواخذة من الكويت والبحرين وقطر والعكس صحيح .
الغناء على ضفاف الخليج
يعتبر الغناء تعبيراً بين أبناء الخليج العربي فكل حركة يقومون بها أثناء سفرهم كان الغناء قاسماً مشتركا فيها وكان وجود (النهام) ضرورياً ومهماً في رحلات الغوص فهو الذي يحث البحارة على العمل ، ويوحد حركتهم منذ بداية الرحلة إلى نهايتها فعند دفع المحمل إلى الماء يكون الغناء ، وعند رفع الدقل أيضاً هناك نهمة خاصة به ، وكذلك رفع الشراع ، والتجديف ، وعند العودة من الرحلة تقام العرضة ، وخلال رحلات (الخانشية ، والردة) يعتبر الغناء مادة أساسية في حياة البحارة كما أن فن الفجري يعتبر قاسماً مشتركاً بين أبناء المملكة العربية السعودية ، والبحرين وقطر ، والكويت وجميعهم يجيدون هذا اللون من الغناء إجادة تامة ، وينقسم فن الفجري إلى خمسة أقسام هي : العدساني ، والبحري ، والحدادي ، والمخولف والحساوي ولذلك فان سمرات البحارة من هذه الدول كانت تقام في عرض الخليج بتفاهم وتناسق ومايزال أهل البحر في المنطقة الشرقية في المملكة يجتمعون مساء كل ليلة في (الدور) (15) كما كانوا في السابق يتسامرون ويغنون ويتبادلون الزيارة مع الدور الاخرى في قطر والبحرين والكويت لوجود التجانس الكبير في الفنون الغنائية بين أبناء هذه المناطق . وهناك ألوان أخرى من فنون الغناء مثل الذواري والعاشوري ، وعلى سدرة ، والفريسة والصوت ، وغيرها من الألوان الغنائية الثرية التي يتقنها أبناء الساحل الشرقي ويرددونها في سمراتهم ، واسفارهم شيباً وشباناً ، ويعتبر الزاجل المعروف بالزهيريات (السباعية والخماسية) مادة أساسية يرددها النهام في لون الفجرى . وكثيرا ما يذكر النهام في مواقع كثيرة إسم الله تعالى ويكبر ويصلى على الرسول " صلى الله عليه وسلم " بصوت شجي حنون ويطلب من الله تعالى التوفيق والسداد .
صيد السمك عمل ثانوي
لا يوجد لصيد السمك لدى سطان الساحل الشرقي أهمية اقتصادية قبل اكتشاف البترول وغالباً ما كان الصياد يوزع صيده على جيرانه ويحتفظ لنفسه بجزء منه أما البيع فلم يكن مجدياً لأن الجميع بحارة وصيادون ولم يكن هناك وسائل لحفظ السمك من العفن ولهذا فإنه كان محدود البيع ، كما أنه لم يكن مغرياً كمثل اللؤلؤ الذي يدر على صاحبة المال ومن هنا فان صيادي السمك كانوا في الأغلب الأعم من الذين لا يستطيعون دخول البحر والغوص في أعماقه لاستخراج المحار . وتستخدم في صيد السمك الشباك ، والسنارة والقرقور .
أخطار البحر
كثير ما كان البحارة يتعرضون لاخطار البحر ومن أهمها ما يعرف بسنة (الطبعة) التي غرق فيها أناس كثيرون وقد جاءت في نهاية فترة الغوص ، لم يتبق على العودة إلى الأهل والوطن سوى أيام قليلة ولكن العاصفة أخذتهم على غرة تقلبت المراكب ، وتناثر ركابها في مياه الخليج فمات من مات وانقد من أنقذ ولكن الغواصون مازالوا يذكرون هذه الواقعة التي حولت الفرحة بالعودة إلى حزن عميق إضافة إلى أسماك القرش (الجرجور) وكائنات بحرية أخرى تجثم على الضواحى حتى يموت إضافة إلى المرض ونفاذ الأوكسجين من الرئتين أثناء وجود الغواص في القاع وعدم خروجه في الوقت المناسب .
أشهر تجار اللؤلؤ
من أشهر تجار (القماش) اللؤلؤ في منطقة الخليج (بو حجي) والسو والقصيبي ، وسلمان بطى وغيرهم وهؤلاء يشترون اللؤلؤ من (الطواويش) التجار الصغار ثم يصدرونه إلى الهند التي كانت من أهم البلدان التي تستورد اللؤلؤ من تجار الخليج العربي .
الساحل الغربي "ب"
يمتد الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية من الشمال للجنوب بطول (1700كم) ويتميز بالشعب المرجانية الغنية بأحيائها البحرية وتم على هذا الساحل عدة مدن وقرى احترف أهلها الصيد البحري بأنواعه المختلفة ، وبالعكس الساحل الشرقي فإن صيد السمك في مناطق الساحل الغربي به جدوى اقتصادية منذ القدم إضافة إلى الغوص في أعماق البحر لاستخراج شجرة (اليسر)(1) والصدف ، والنقل بالسفن بين السويس وموانئ السودان ، واليمن والموانئ السعودية ، وبذلك تنقسم تخصصات التجارة إلى ثلاثة أقسام :
الأول : صيد السمك بأنواعه .
الثاني : الغوص لاستخراج الصدف والمحار واليسر والنهيد .
الثالث : النقل بالسفن بين الموانئ المختلفة على البحر الأحمر .
النقل البحري
ومن ميناء ينبع القديم كانت السفن (السنابيك) كبيرة الحجم تحمل الفحم إلى ميناء السويس ، وتحضر بدلاً منه الأرز ، والأقمشة والبصل والعسل وتحمل التمر إلى اليمن وجنوب المملكة وتحضر بدلاً منه الدخن ويقوم بالخدمة على هذه السفن الشراعية عدد من الأشخاص كل منهم يقوم بمهمة معينة ومعروفة .
فالرئيس : يختص بتجهيز الأوراق وإحضار البضاعة وكل الأعمال على اليابسة :
والربان : قائد السفينة في البحر .
الفرادى : مساعد الربان ويختص بالسكان (الدفة) طوال الرحلة .
المقدم : يرتب البحارة ويوزع العمل عليهم أثناء الرحلة .
البحارة : يقومون بالاعمال المطلوبة منهم حسب توجيهات المقدم .
وكانت صناعة النقل بالسفن رائجة نظراً لتدفق الحجاج وزوار المدينة المنورة ولذلك لم تقتصر مهمة البحارة في الساحل الغربي على صيد السمك والغوص كما هو الحال في الساحل الشرقي . إضافة إلى نقل البضائع بين موانئ البحر الأحمر . وكان يطلق على الساحل الشرقي للبحر الأحمر (بر عرب) والساحل الغربي (بر عجم) وهي تسمية معروفة بين البحارة وكانوا يستخدمون البوصلة (ديرة) لتحديد الاتجاه إضافة إلى النجوم ، وكان الاتجاه يتم خلال النهار أما في الليل فترسو السفينة في أقرب مرسى إلا في الحالات الضرورية .
صيد السمك
توجد في البحر الأحمر أنواع كثيرة من الأسماك مثل البياض ، والشعور والمرجان ، والفراس ، وأبو قرن والشك ، والضيراك ، والصرع ، الناجل .. الخ ، ولذلك فإن الأسماك كانت مصدراً كبيراً للتجارة وازدهرت في (ينبع) صناعة السمك الناشف الذي يصدر إلى مدن المملكة الأخرى ويقبل عليه أبناء حضرموت إضافة إلى السمك الطازج الذي يستهلك محلياً في جدة ، وينبع وجيزان ورابغ وثول وغيرها من المدن الواقعة على البحر الأحمر .
طرق ووسائل الصيد
يستخدم الصيادون على شواطئ البحر الأحمر عدة وسائل لصيد السمك ولكل نوع من الأسماك وسيلة صيد معروفة لدى الجميع .
فهناك الصيد بالسنارة (الجلب) والشوار وتستخدم في المناطق ذات الشعب المرجانية في المياه الضحلة وهي عبارة عن شبكة طولها قرابة (60 – 70) مترا وعرض (100 – 50) سم تصنع من خيوط القطن المستورد من السودان والسويس إضافة إلى شجرة (العشر) المتوفرة بالمنطقة الغربية الذي يقطع جذعه المجوف إلى قطع صغيرة من شأنها أن تجعل الشبكة تطفوا على سطح الماء من طرفها العلوي بينما يثبت في طرفها الأسفل قطع فخارية تسمى المدر تشد الشبكة إلى الأسفل وقد تم استبدال العشر بالفلين والمدر بالرصاص ومن شأن هذه الشبكة أن تحجز السمك الذي يدخل في محيطها .
والوسيلة الثالثة الصيد بالصيخ أو الحربة أو السهم حيث يحضر الصياد صفيحة معدنية (تنكة) فيفتح أحد جوانبها ثم يفتح في الجانب المواجه فتحة صغيرة على شكل مربع أو مستطيل (20 × 15سم) تثبت عليه قطعة زجاج ويدخل الصياد رأسه من خلال الجانب المفتوح فتكون الزجاجة كمنظار يتيح للصياد رؤية الأسماك تحت الماء فيرسل حربته باتجاهها فتنغرس في جسمها ويصيدها .
أما الوسيلة الرابعة فهي عبارة عن شبكة الصيد العادية التي يمسك بها الصياد بين يديه ثم يطوحها في الهواء فتصبح على شكل دائرة وتسمى في ينبع (المخدجة) وهي اربعة أنواع النوع الأول : المخدجة (الشبكة) العربية وفتحتها كبيرة ويصاد بها السمك العربي ، والقص ، والسجار وتستخدم في الأماكن الضحلة .
النوع الثاني : السردينة وهي مخصصة لصيد سمك الساردين .
النوع الثالث : المغوار وهي خاصة بسمك الرقطة وهو أصغر من الساردين .
والنوع الرابع : اليلمية وهي تجلب كل ما يقع تحتها نظراً لوجود حبال في أسفلها تسمى (القصبان) .
وهناك الصخوة ، والمهلكة من أدوات الصيد أيضاً .
كما أن هناك شبكة تسمى البوحى وهذه لا تلقى إلا بعد التأكد أن هذه المنطقة فيها سمك موجود فعلاً فيطوق بشبكة البوحي .
الغــــــــــــوص
ينقسم الغوص في البحر الأحمر إلى قسمين الأول : الغوص في مناطق الشعب المرجانية لصيد (النهيد) أما الصدف فيكون على عمق أكثر يقارب إثنى عشر قامة ، وفي منطقة الوزجة – شمال غرب المملكة – يغوصون لصيد (اليسر) الذي تصنع منه السبح والنهيد عبارة عن حيوان بحري داخل كرة حجرية تصنع منها أزارير الملابس والسبح ويصدر إلى السودان حيث يتم تصنيعه هناك ، ويغوص الغواصون خمسة عشر قامة في الماء بدون الاستعانة بأي أدوات مساعدة ، وأفضل وقت لصيد الصدف والنهيد يكون في شهور الصيف حين تكون المياه دافئة . والغواصون لجلب اليسر يستخدمون الحبال كمثل طريقة الغواصون في الساحل الشرقي أما صيادوا الصدف والنهيد فإنهم يعتمدون على جهدهم الخاص . وحتى الآن لم يستخدم الصيادون أجهزة الغطس الحديثة إلا فيما ندر .
وهناك نوع من الصدف يسمى (البصر) الذي تستخدم قشرته الخارجية طفايات سجائر . بينما يؤكل اللحم الذي بداخلها ، وهناك الصرنباق ودم الأخوين ولكل منها إستخدام خاص به ، كما أن السلاحف البحرية مفيدة حيث تؤخذ صحيفتها لتستخدم كأوعية للطعام بعد تنظيفها وصقلها .
أخطار البحر الأحمر
يتعرض البحارة في البحر الأحمر بسفنهم الشراعية لأخطار كثيرة منها الرياح الشديدة التي قد تغرق السفينة الشراعية إضافة إلى الأمطار أما الغواص فيتعرض لأخطار سمك القرش أو حوت التونة الخطير وهو الذي يفوق القرش في خطورته وحجمه وهناك نوع من سمك القرش إسمه (القصيف) يقفز بقوة تجاه الإنسان في لمح البصر وإذا لم يحترس منه فإنه يفتك به وهناك أنواع أخرى خطيرة مثل القرنة ، ودجاجة البحر ، والعقام وهو حيوان بحري خطير فمه شبيه بفم الكلب ؛ والشاقة (ثعبان البحر) التي تصيد أقدام الصيادين إذا لم ينتبه إليها . أما أبو سلامة (الدلفين) فهو صديق للإنسان ، وقد روي عن السابقين أن اطلاق اسم أبو سلامة على الدلفين يعود إلى أن الدلفين سبق وان انقذ ركاب سفينة غارقة فسمي بأبو سلامة كما أنه يرافق السفن في سيرها وهناك من يستخدم شحمه كدهان يشفى بعض الأمراض .
ومن أخطار البحر انكسار (الترمان) المثبت فيه الشراع مما يجعل السنبوك يميل وينقلب في الماء أو يجنح تجاه الصخور المرجانية فينكسر القارب .
السمسمية والغناء
ينقسم الغناء لدى البحارة إلى قسمين قسم في البر ، وقسم في البحر .
في البحر تكون السمسمية هي الآلة الرئيسية المرافقة للبحارة حيث يغنون عليها العسيري والحدري ، والمال ، والموال ، والخبيتى وغيرها أما البر فيغنى فيه الدلوكة والعجل . ومن الحدري يغني البحارة على شكل موال فيقول :
يا عين كفى هليل الدمع
تصبري والرجا في الله
كثر البكا ينكتب لك دم
والموت في رقاب خلق الله
* * *
ومن الحدري أيضاً :
الأولة ذكرت الله
والثانية على النبي صليت
مخلص ولا لي في خلق الله
لا أخذت منهم ولا وديت
* * *
ومنه أيضاً :
الشوف والعافية قسمة
والعين متهنية بالنوم
محمد اللي عرفنا إسمه
والرزق ما حد عرف له يوم
* * *
بكيت وبكيت من جاني
حتى الحصى من بكايا لان
عزى لمن قال يا أخواني
يموت وما انقضى له شان
وكل مقطع من المقاطع الماضية يسمى (كسرة) ويغنى على السمسمية أو القانون .
ومن اللعبات الشعبية المعروفة في ينبع (الرديح) و (الدلوكة) و (العجل) و الرديح عبارة عن محاورة بين شاعرين ويتغير اللحن من شطرة إلى أخرى .
وينقسم الرديح إلى أربعة أقسام هي : الليحانى ، والسلام ، وزمنين ، ويا مالك الروح ويكون الاختلاف في لحن كل منها . ويتغنى البحارة بالعجل عند دخولهم البلد بعد قدومهم من السفر . أما الآن فإنهم يغنون العجل في المناسبات وكما يردد البحارة في المنطقة الشرقية بعض العبارات التي تشجع على العمل فان بحارة الساحل الغربي ايضاً يرددون بعض العبارات الغنائية عند رفع الشراع أو إنزاله ، أو القيام بعمل جماعي وتسمى (نبوه) مثل :
الفريق الأول : يالله على بابك .
الفريق الثاني : يا كريم .
وهناك الطرب الينبعاوي المعروف مثل الموال ، والأغنيات التي تؤدى مع فرقة موسيقية مصغرة ومن المواويل الينبعاوية :
خذ من الناس واعط الناس وآمنهم
واحرص من الناس لأن الناس آه منهم
يوم يطلبوا الصلح نسيو الليى جرى منهم
إن آذان الله وجابوا ناس تضمنهم
لاجدد الصلح لكن باحترس منهم
* * *
يا سادتي وان نسيتوني انا فاكر
وإن أسأتم إليه أنا لأحسنكم شاكر
وحياة من نزل صورة تبارك أنا فاكر
إن غبتم عن العين ما تغيبوا عن الخاطر
وفي منطقة جدة يتغنون بالزومال والصهبة ، والسمسمية ، والمزمار إضافة إلى الألعاب الرياضية مثل الكبت والأستغمائية وغيرها ، وكان الطرب أساسي في حياة البحارة في الأفراح والمناسبات مثل الأعياد والمواسم .
وفي منطقة جدة كانت السفن الشراعية تقوم بنقل البضائع والركاب من البواخر الكبيرة الراسية بعيداً عن الشاطئ لعدم وجود ميناء ترسوا عليه إضافة إلى أعمال الصيد والغوص والسفر .
وفي جدة تستخدم أنواع من الشباك منها (الجريم) الذي يستخدم في صيد اسماك الشعب المرجانية مثل الحريد ، وأبو قرن والسيجان ومنها (السلابيات) وتستخدم في الأماكن الرملية حيث يوجد السمك العربي ، والقاص وهناك نوع ثالث من الشباك تسمى الطوليات وهي وسط بين الجريم والسلابيات إلى جانب ذلك توجد وسائل أخرى للصيد مثل الصخوة وهي شبيهة إلى حد ما بالقراقير في المنطقة الشرقية إضافة إلى السنانير المعروفة .
الفزعـــــــــــــــة
كان للبحارة على الساحل الغربي عادات يحافظون عليها ومنها (الفزعة) أي النجدة أو المساعدة عندما يحتاج بحارة إليها سواء عند إصلاح سنبوك أو صناعته ، أو إخراجه من الماء أو إدخاله إلى البحر كما هي العادة في الساحل الشرقي ، وفي المناسبات يفزع الجميع .. كل يقوم بعمل معين طوال الأسبوع في حالات الزواج وتسمى هذه العادة (الوفا) كما أن الاحترام للمهنة موجود حتى الآن وإذا حدث خلاف بين الصيادين فإنهم يلجئون إلى شيخة الفصل فيها وفي حالات الوفاة توجد الفزعة كل يقوم بعمل كنوع من التكافل الاجتماعي بين البحارة وإخلاص النية لديهم والصدق في التعامل . ورعاية الأسر التي يكون عائلها في البحر حيث تستمر بعض الرحلات لمدة ثمانية أشهر أو سبعة أشهر يتولى خلالها الموجودون في البلد رعاية أسر الغائبين .
أشهر البحارة
من الرؤساء والبحارة الممتازين " حسن حدوى " أحد كبار البحارة والذي تعلم على يديه الكثيرون ، والحاج " سيد شمعة " ، و " محمود درويش " ، و " أحمد جابر " ، و" عابد عطيوي " ، و" نافع بن أحمد " ، و " شحاته ميهى " ، و " محمد سكران " وغيرهم .
الختـــــــــــام
كانت هذه نبذة موجزة عن الانسان والبحر في المملكة العربية السعودية قبل النهضة المباركة التي تعيشها الآن والتي شملت البحارة وغيرهم فأصبحوا ينعمون بالوسائل الحديثة والمريحة ومازالوا يواصلون رحلاتهم البحرية في السفر والصيد أما الغوص فإنه قد اندثر من الخليج منذ عام 1944م – كما ذكر العارفون – على أثر قيام شركة أرامكو التي استقطبت أعداد كبيرة من البحارة وظهور اللؤلؤ الصناعي الذي اكتسح سوق اللؤلؤ بحيث أصبح البحث عنه غير مجدياً اقتصادياً وكذلك الحال على الشاطئ الغربي ولكن الصيد مازال مزدهراً بعد أن توفرت للصيادين وسائل الصيد الحديثة التي خفضت من التكاليف ووفرت الأمان لهم في حلهم وترحالهم في ظل رعاية خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وحكومته الرشيدة التي قدمت القروض والمساعدات واقامت الأسواق النظيفة للصيادين الذين يعيشون الآن عصرهم الذهبي وبالله تعالى التوفيق .
الـــــــــــــــرواة
1 – ادريس جمعان الدوسري (60سنه) .
2 – حسن عبد الله أبو علي الدوسري (63 سنه) .
3 – سالم عبد الله الشاووش (70سنه) .
4 – محمد عزيز إبراهيم .
هوامـــــــــــــــش
1 – النواخذة : المسئول الأول والأخير عن المحل وهو الذي يبيع اللؤلؤة ويوزع العوائد على البحارة .
2 – الطراش : التاجر الذي يشتري اللؤلؤة من النواخذة .
3 – المحملى : سفينة خشبية كبيرة تصنع محلياً تستخدم في الغوص وتحمل بين 80 – 40 بحارا .
4 – النهام : أحد البحارة ذو صوت جميل وقوي يحفز البحارة على العمل ويشاركهم الغناء في السحر .
5 – سعب : ركز الساري (الدقل) في موقعه من السفينة .
6 – الغلمى : دقل صغير الحجم كاحتياط للدقل الكبير .
7 – خرفشت : موقع قرب البحرين يوجد به عين ماء عذب تتدفق من أعماق البحر .
8 – الهير : الموقع الذي يوجد به المحار الذي يحتوي على اللؤلؤ .
9 - العيش : الارز المستورد من الهند واليابان .
10 – الغطام : يضغط على فتحتي الأنف ليمنع دخول الماء إلى رئتي الغواص .
11 – الدجين : وعاء شبكي يعلقه الغواص في رقبته ويضع فيه المحار .
12 – السيب : البحار الذي يساعد الغواص على الغوص ويجذبه من قاع البحر بواسطة حبل .
13 – الدول : حيوان بحري يجثم على الغواص حتى يموت .
14 – سالم عبد الله الشاووشى .
م/ن